من نحن

هذا الموقع لا يعرض لوحاتٍ للنظر، بل أيقوناتٍ للصلاة. وفي هذه الصفحة كلمةٌ موجزة عن معنى الأيقونة في التقليد الأرثوذكسيّ، وعن المدرسة التي نتسلّم منها ونعمل في ظلّها: من قرار المجامع ودفاع الآباء عن الصورة المقدّسة، إلى الأيقونة العربيّة التي كتبت المسيح وقدّيسيه بلسان أهل المشرق وحرفهم.

معنى الأيقونة في التقليد الأرثوذكسيّ

الأيقونة في اليونانيّة «إيكون» أي الصورة، وهي في التقليد الأرثوذكسيّ ليست زينةً للحائط ولا لوحةً تُعرض للتأمّل الجماليّ، بل عضوٌ من صلاة الكنيسة. تقف مع المؤمن في العبادة كما يقف الكتاب المقدّس والتسبيح: فما يبلّغه الإنجيل بالكلمة تبلّغه الأيقونة بالخطّ واللون.

ولذلك لا نرى فيها وجوهًا عاديّة، بل وجوهًا متجلّية: مسيحًا متجسّدًا، ووالدةَ إلهٍ حاملةً ابنها، وقدّيسين صاروا بالنعمة أيقونةً لله. والإكرام الذي يقدّمه المؤمن — قبلةً أو بخورًا أو قنديلاً — لا يتوقّف عند الخشب والصبغ، بل يصعد إلى صاحب الصورة. ومن هنا كانت الأيقونة تعليمًا للبسطاء، وتذكيرًا دائمًا بأنّ السماء ليست بعيدة عن بيوتنا.

لاهوت الأيقونة والمجمع المسكونيّ السابع (٧٨٧م)

حين اضطربت الكنيسة في القرن الثامن بحركة محاربة الأيقونات، اجتمع الآباء في نيقية سنة ٧٨٧م في المجمع المسكونيّ السابع، فأعادوا للأيقونة مكانها في الكنيسة وفي بيوت المؤمنين، وميّزوا تمييزًا واضحًا بين:

  • العبادة التي لا تُقدَّم إلّا لله وحده؛
  • الإكرام والتكريم الذي يُقدَّم للصورة، وللصليب، وللإنجيل، ولذخائر القدّيسين.

وأخذوا بقول القدّيس باسيليوس الكبير إنّ الإكرام المُقدَّم للصورة ينتقل إلى مَن تصوّره؛ فمَن يكرّم الأيقونة يكرّم الشخص لا المادّة. هكذا لم تكن الأيقونة مسألة ذوقٍ فنّيّ، بل مسألة إيمانٍ بالتجسّد: لأنّ الله ظهر في الجسد صار تصويره ممكنًا. ولا تزال الكنيسة تُعيّد لانتصار الأيقونات في الأحد الأوّل من الصوم الكبير، المعروف بـ«أحد الأرثوذكسيّة».

القدّيس يوحنّا الدمشقيّ والدفاع عن الأيقونات

من دمشق خرج أحد أعظم المدافعين عن الصورة المقدّسة: القدّيس يوحنّا الدمشقيّ، المتوفّى نحو سنة ٧٤٩م، ابن عائلةٍ عربيّة مسيحيّة خدمت في دواوين دمشق، ثمّ ترك ذلك ولبس ثوب الرهبنة في دير القدّيس سابا قرب أورشليم.

كتب ثلاث مقالاتٍ في الدفاع عن الأيقونات المقدّسة، وحجّته في صميم الإيمان: الله في ذاته غير منظور ولا يُرسم؛ أمّا وقد تجسّد الكلمة وصار إنسانًا يُرى ويُلمس، فقد صار في الإمكان أن نصوّر ما رأيناه. وأوضح أنّ المؤمن لا يعبد المادّة، بل يكرّم خالق المادّة الذي شاء أن يخلّص الإنسان بالمادّة والجسد. وعلى هذا الأساس قامت كتابة الأيقونة في الكنيسة كلّها.

الأيقونة العربيّة ومدرسة حلب

لم تكن الأيقونة في مشرقنا ضيفًا غريبًا. فمنذ القرن السابع عشر برزت في حلب مدرسةٌ أيقونيّة عربيّة، أشهر أعلامها آل المصوّر الحلبيّون، ومَن تبعهم من كتّاب الأيقونات في المشرق.

حفظت هذه المدرسة التقليد البيزنطيّ في قانون النسب ورموز الألوان وترتيب المشاهد، وطبعته بطابع أهل البلد: فأسماء القدّيسين وعناوين الأعياد تُكتب على الأيقونة بالحرف العربيّ، وكذلك توقيع كاتبها وتاريخه. وقد حُفظ عددٌ من هذه الأيقونات في كنائس المشرق وأديرته ومجموعاته حتّى اليوم.

وفي مدرسة هذا التقليد نعمل: أن تكون الأيقونة أرثوذكسيّة في لاهوتها، عربيّة في لسانها، صالحةً لأن يصلّي أمامها المؤمن في كنيسته وفي بيته.

لاهوت الأيقونة

لماذا نقول إنّ الأيقونة «تُكتب»؟

في لغة الكنيسة لا نقول «رسمنا أيقونة» بل «كتبنا أيقونة». والسبب أوّلاً في أصل الكلمة: «إيكونوغرافيا» في اليونانيّة مركّبة من «إيكون» أي الصورة، و«غرافو» أي أكتب وأخطّ؛ والفعل الواحد يفيد الكتابة والتصوير معًا. وفي التعبير معنًى أعمق من اللغة: كاتب الأيقونة لا يعبّر عن نفسه ولا يبتكر مشهدًا من خياله، بل ينقل نصًّا تسلّمته الكنيسة — إنجيلاً بالألوان — كما ينقل الناسخ كلامًا ليس له.

ولهذا تُسمّى الأيقونة نافذةً على السماء: لا تحبس النظر في ذاتها، بل تفتحه على مَن تصوّره. من أجل ذلك خلفيّتها ذهبٌ لا سماءٌ زرقاء، ولا ظلال فيها ولا عمقٌ يخدع العين، والوجوه تلتفت إلى المصلّي وتنظر إليه. أنت لا تتفرّج على الأيقونة؛ أنت تقف في حضرة مَن فيها، فتصير الصورة موضع لقاءٍ وصلاة.

أنماط الأيقونة

أيقوناتٌ من قلب التقليد

ثمانية أنماطٍ أساسية في الأيقونوغرافيا الأرثوذكسية، تُكتب على الخشب المُحضَّر بالجبس والغراء، بالتمبرا البيضية وورق الذهب.

المسيح الضابط الكل

الربّ يسوع مباركاً وحاملاً الإنجيل: أيقونةُ التجسّد التي عليها يقوم كلّ إكرامٍ للصور.

والدة الإله

الثيوتوكوس حاملةً ابنها، بأنماطها القديمة: الهادية، والحنونة، وأوسع من السماوات.

الأعياد السيدية

البشارة والميلاد والغطاس والقيامة: أيقوناتٌ تروي تدبير الخلاص على مدار السنة الطقسية.

القديسون والشهداء

شهداءُ ونسّاكٌ وأساقفة، بأسمائهم وسِماتهم كما سلّمها التقليد، شفعاءُ للبيت وللكنيسة.

رؤساء الملائكة

ميخائيل وجبرائيل وسائرُ الأجناد السماوية: حضورٌ حارسٌ يرفع الصلاة ويحفظ المكان.

الصلبوت

خشبةُ الحياة: المسيح المرفوع، ووالدة الإله ويوحنا الحبيب واقفَين عند قدميه.

الأيقونسطاس

حجابُ الهيكل: صفوفُ الأيقونات وأبوابها المقدّسة، تُصمَّم وتُكتب على مقاس كنيستكم.

أيقونة العائلة والاسم

أيقونةُ شفيع المعمودية أو قديسي العائلة، تُكتب بمقاسٍ خاصّ للأعراس والمناسبات.

المواد

من الأرض والنور

الخشب واللِّيفكاس

لوحٌ من خشبٍ مجفَّف جيّداً يُشدّ عليه قماش كتّان، ثمّ طبقات متعاقبة من الجبس والغراء الحيوانيّ تُصنفَر بين طبقةٍ وأخرى. النتيجة أرضيّة بيضاء صلبة ناعمة، تحمل الذهب واللون ولا تتشقّق.

الأصباغ الترابيّة الطبيعيّة

مغرة صفراء وحمراء، وترابٌ أخضر، وأكاسيد الحديد؛ أمّا الأزرق فمن الأزوريت، ومن حجر اللازورد الثمين في الأعمال النفيسة. تُسحَق كلّها في الهاون وتُخزَّن مسحوقاً، فتأتي ألوان الأيقونة من الأرض نفسها، ثابتةً لا تبهت مع السنين.

صفار البيض كوسيط

يُمزَج صفار البيض بقليلٍ من الماء ونقطةِ خلٍّ حافظة، فيصير وسيطاً يربط الصبغة باللوح. يجفّ سريعاً ويتماسك مع الوقت حتّى يصير غير قابلٍ للذوبان، ويمنح الألوان شفافيّةً هادئة تسمح بتراكم الطبقات.

ورق الذهب عيار ٢٣

صفائح رقيقة جدّاً تُلصَق على أرضيّةٍ من الطين الأرمنيّ ثمّ تُصقَل بحجر العقيق حتّى تلمع كالمرآة. الذهب في الأيقونة ليس زينةً ولا خلفيّة، بل علامةٌ إلى النور غير المخلوق الذي يغمر القدّيسين.