الأيقونة في التقليد العربيّ الأنطاكيّ: يوسف المصوّر ومدرسة حلب

2026-04-22

منذ القرن السابع عشر أثمرت حلب مدرسةً في كتابة الأيقونة بالعربيّة، أقدمُ اسمٍ معروف فيها يوسف المصوّر. في ملامح هذه المدرسة وما ورّثته لكنيسة أنطاكية.

لم تكن الأيقونة في بلاد الشام ضيفاً غريباً في يومٍ من الأيّام. فكنيسة أنطاكية من أقدم الكنائس الرسوليّة، وفيها صلّى المؤمنون أمام الأيقونات قروناً طويلة، ومن أرض المشرق كتب القدّيس يوحنّا الدمشقي أعظم ما كُتب دفاعاً عن الأيقونات المقدّسة. ومع القرن السابع عشر ظهرت في حلب حركةٌ أيقونيّة عربيّة ناضجة عُرفت لاحقاً باسم «مدرسة حلب».

يوسف المصوّر

أقدمُ اسمٍ معروف في هذه المدرسة هو يوسف المصوّر، وهو مصوّرٌ من الروم الأنطاكيّين عاش في حلب في القرن السابع عشر ووقّع أيقوناته بالعربيّة. تكشف أعماله معرفةً بالنماذج البيزنطيّة وبما وصل إلى المدينة من أيقونات جزيرة كريت، مع حسٍّ محلّيّ في الزخرفة وفي معالجة الثياب والوجوه. واستمرّت الورشة في أسرته أجيالاً بعده، حتى صار لقب «المصوّر» علامةً على مهنةٍ متوارثة في حلب لا اسماً لشخصٍ واحد.

وقد ازدهرت هذه الحركة في زمنٍ كانت فيه حلب مدينةَ تجارةٍ وحِرَفٍ ونسخِ مخطوطات، تلتقي فيها لغاتُ الشرق وطرقُ القوافل. فانتقلت كتابة الأيقونة من الأديرة إلى ورش المدينة، وصارت تُطلب لبيوت المؤمنين كما تُطلب للكنائس، وتُوقف على الرعايا نذراً وشكراً. وبقيت المواد على أصولها: لوحُ الخشب المكسوّ بالقماش، وطبقات الجبس المصقولة، والتمبرا المعقودة بصفار البيض، وورقُ الذهب الذي يُلمَّع بحجر العقيق.

ملامح المدرسة الحلبيّة

  • الكتابة العربيّة على وجه الأيقونة: أسماء القدّيسين والمشاهد، وأحياناً سنةُ الكتابة واسمُ من أوقف الأيقونة على الكنيسة.
  • وفاءٌ للنموذج البيزنطيّ، مع انفتاحٍ على ما تناقلته المدينة من نماذج كريتيّة وأوروبيّة.
  • غنى في الزخرفة النباتيّة وفي الذهب المحفور، بروحٍ تلتقي بفنون المنطقة وحِرَفها.
  • خدمةُ الحاجة الليتورجيّة أوّلاً: أيقونات حجاب الهيكل، وأعياد السنة الكنسيّة، وسِيَر القدّيسين.

قدّيسو هذه الأرض

ومن جمال هذا التقليد أنّه يرسم قدّيسي المنطقة إلى جانب قدّيسي الكنيسة الجامعة: القدّيس يوحنّا الدمشقي، والقدّيس سمعان العموديّ الذي تنسّك قرب حلب، والقدّيس أفرام السريانيّ، والقدّيسة تقلا، وشهداء المدن الأنطاكيّة. فالأيقونة هنا ليست استيراداً من ثقافةٍ أخرى، بل ذاكرةٌ محلّيّة مرسومة، تحفظ للجماعة أسماءها ووجوهها.

وحين تُكتب الأيقونة اليوم بالعربيّة، على الخشب والجبس والتمبرا وورق الذهب، فإنّنا لا نستحدث شيئاً، بل نُكمل سلسلةً طويلة من الأيدي التي عملت قبلنا في هذه البلاد. فالتقليد ليس متحفاً يُزار، بل نهرٌ حيّ نغتسل فيه ونسقي منه أجيالاً بعدنا؛ ولذلك تبقى الورشة الأنطاكيّة أمينةً للقانون القديم، منتبهةً في الوقت نفسه إلى أنّها تكتب لكنيسةٍ حاضرة تصلّي بالعربيّة اليوم.

من القسم نفسه